ابن تيمية
61
منهاج السنة النبوية
فَمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ سُلْطَانٌ ، فَالْقُرْآنُ ( 1 ) سُلْطَانٌ ، وَالسُّنَّةُ سُلْطَانٌ ، لَكِنْ لَا يُعْرَفُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ بِهِ إِلَّا بِالنَّقْلِ الصَّادِقِ عَنِ اللَّهِ ، فَكُلُّ مَنِ احْتَجَّ بِشَيْءٍ مَنْقُولٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ صِحَّتَهُ ، قَبْلَ أَنْ يَعْتَقِدَ مُوجِبَهُ وَيَسْتَدِلَّ بِهِ . وَإِذَا احْتَجَّ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ ، فَعَلَيْهِ بَيَانُ صِحَّتِهِ ، وَإِلَّا كَانَ قَائِلًا بِلَا عِلْمٍ ، مُسْتَدِلًّا بِلَا عِلْمٍ . وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ فِي الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي الْفَضَائِلِ مَا هُوَ كَذِبٌ ، صَارَ الِاعْتِمَادُ عَلَى مُجَرَّدِ مَا فِيهَا ، مِثْلَ الِاسْتِدْلَالِ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ ، الَّذِي يَصْدُقُ تَارَةً وَيَكْذِبُ أُخْرَى . بَلْ لَوْ لَمْ يُعْلَمُ أَنَّ فِيهَا كَذِبًا ، لَمْ يَفِدْنَا عِلْمًا حَتَّى نَعْلَمَ ( 2 ) ثِقَةَ مَنْ رَوَاهَا . وَبَيْنَنَا وَبَيْنَ الرَّسُولِ مِئُونَ مِنَ السِّنِينِ ( 3 ) ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ فِيمَا يَنْقُلُ النَّاسُ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ صِدْقًا وَكَذِبًا ( 4 ) ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : سَيُكْذَبُ عَلَيَّ ، فَإِنَّ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ صِدْقًا ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُكْذَبَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ كَذِبًا فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِ . وَإِنْ ( 5 ) كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ فِي مَسْأَلَةٍ فَرْعِيَّةٍ بِحَدِيثٍ حَتَّى يُبَيِّنَ مَا بِهِ يَثْبُتُ ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ ، الَّتِي يَقْدَحُ فِيهَا فِي خِيَارِ الْقُرُونِ وَجَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ وَسَادَاتِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُقَرَّبِينَ ، بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ الْمُحْتَجُّ بِهِ صِدْقَهُ ؟ .
--> ( 1 ) س ، ب : وَالْقُرْآنُ . ( 2 ) س ، ب : يَعْلَمُ . ( 3 ) ن ، س ، ب : مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ . ( 4 ) ن ، م ، س : صِدْقٌ وَكَذِبٌ ، وَهُوَ خَطَأٌ . ( 5 ) ب : وَإِذْ .